القرطبي
158
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
كقوله تعالى : " ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " ( 1 ) [ النساء : 116 ] أما إن الخوف يغلب عليهم بحسب الوعيد وكبر المعصية ( 2 ) . الخامسة عشرة - قوله تعالى : ( إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ) استثنى عز وجل التائبين قبل أن يقدر عليهم ، وأخبر بسقوط حقه عنهم بقوله : " فاعلموا أن الله غفور رحيم " . أما القصاص وحقوق الآدميين فلا تسقط . ومن تاب بعد القدرة فظاهر الآية أن التوبة لا تنفع ، وتقام الحدود عليه كما تقدم . وللشافعي قول أنه يسقط كل حد بالتوبة ، والصحيح من مذهبه أن ما تعلق به حق الآدمي قصاصا كان أو غيره فإنه لا يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه . وقيل : أراد بالاستثناء المشرك إذا تاب وآمن قبل القدرة عليه فإنه تسقط عنه الحدود ، وهذا ضعيف ، لأنه إن آمن بعد القدرة عليه لم يقتل أيضا بالاجماع . وقيل : إنما لا يسقط الحد عن المحاربين بعد القدرة عليهم - والله أعلم - لأنهم متهمون بالكذب في توبتهم والتصنع فيها إذا نالتهم يد الامام ، أو لأنه لما قدر عليهم صاروا بمعرض أن ينكل بهم فلم تقبل توبتهم ، كالمتلبس بالعذاب من الأمم قبلنا ، أو من صار إلى حال الغرغرة فتاب ، فأما إذا تقدمت توبتهم القدرة عليهم ، فلا تهمة وهي نافعة على ما يأتي بيانه في سورة " يونس " ( 3 ) ، فأما الشراب والزناة والسراق إذا تابوا وأصلحوا وعرف ذلك منهم ، ثم رفعوا إلى الامام فلا ينبغي له أن يحدهم ، وإن رفعوا إليه فقالوا تبنا لم يتركوا ، وهم في هذه الحال كالمحاربين إذا غلبوا . والله أعلم . قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون ( 35 ) إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم ( 36 )
--> ( 1 ) راجع ج 5 ص 385 . ( 2 ) كذا في الأصل وفي تفسير ابن عطية . والذي في البحر : ( وهذا الوعيد كغيره مقيد بالمشيئة ، وله تعالى أن يغفر هذا الذنب ولكن في الوعيد خوف على المتوعد عليه نفاذ الوعيد ) وهو أوضح . ( 3 ) راجع ج 8 ص 383 .